
على المعبر الحدودي بين لبنان وسوريا، على الطريق الفاصل بين المرتفعات اللبنانية وجبال القلمون، تتجمع عائلات سورية. هذه المرة، لا يصلون بحثًا عن الأمان، بل يغادرون لبنان بعد سنوات من التهجير.
الطريق المبتلة بالمطر مزدحمة بالناس الذين يحملون الأمتعة بينما تواصل السيارات الوصول، لتوصيل المزيد من الركاب. لم تعد هذه سفرًا عاديًا — إنها حركة عكسية driven by fear of الضربات الإسرائيلية.
بعد شهر من تصاعد الأعمال العدائية في المنطقة وعبر لبنان، شهدت سوريا زيادة حادة في عدد الأشخاص الذين يعبرون من لبنان. بين 2 و27 مارس، دخل أكثر من 200,000 شخص إلى سوريا عبر ثلاثة معابر حدودية رسمية، وفقًا للسلطات السورية.
الغالبية العظمى — ما يقرب من 180,000 — هم سوريون، بما في ذلك أولئك الذين هربوا سابقًا إلى لبنان والذين أجبروا الآن على مغادرة مرة أخرى، بالإضافة إلى آخرين الذين كانوا يعتبرون العودة إلى وطنهم. كما عبر أكثر من 28,000 لبناني إلى سوريا، فرارًا من القصف الإسرائيلي المكثف. كثيرون يصلون مرهقين، مصدومين، ويحملون قليلًا من الأمتعة.
مع تفريغ كل مركبة، تظهر نفس الأنماط: الناس يحملون ما يستطيعون، قلِقين على الحياة التي يتركونها خلفهم، غير متأكدين مما ينتظرهم في سوريا، لكن يشعرون أنه ليس لديهم خيار آخر.
في منطقة الانتظار العامة في معبر المصنع-جديدة يابوس، وقف حمزة الشواش، رجل في الأربعينيات من عمره من ريف حلب، يعصر يديه وهو ينظر إلى ابنه الصغير الذي يتشبث برقبته.
انتظر دوره بين الحشود للحصول على الموافقات المطلوبة.
قبل عدة أيام، كان منزله في لبنان عبارة عن غرفة زنك واحدة أعلى مبنى. عندما انهار هيكل قريب بسبب غارة جوية إسرائيلية، لم يتسبب ذلك في تضرر جدرانه فقط، بل أيضًا حطم آخر وهم لديه بأن “لبنان ملاذ آمن”.
قال حمزة: “كنت أسمع القنابل والانفجارات من بعيد وحاولت إقناع نفسي أنه آمن، ولكن عندما ضربوا بجانبنا، طاردتنا الموت من كل ركن. أولادي كانوا يبكون أكثر من الخوف من الجوع. قررت العودة، حتى لو كان يعني العودة إلى الأنقاض؛ على الأقل إنها أنقاضنا،” شارك حمزة مع العربي الجديد.
تلخص كلماته محنة الآلاف العالقين بين تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وغزو إسرائيل للبنان، مما يجعل المناطق الكثيفة بالسكان من السوريين هدفًا سهلًا، وأحيانًا غير مباشر.
من الخوف إلى العودة تحت الضغط
على الجانب الآخر من الطريق، كانت التاكسيات القديمة تنتظر لنقل العائدين إلى مدنهم: حمص، حماة، دمشق، إدلب، حلب، اللاذقية، وغيرها.
قاد السائق أمين الأبرش سيجارة ووصف المشهد: “الطلب قد تضاعف في الأيام الأخيرة. سافر العديد من الناس معي من صيدا وبيروت، بحثًا عن الأمان. المأساة هي أنهم ليس لديهم منازل في بلدهم، ينامون مؤقتًا مع أقارب أو يعودون إلى بلدات مدمرة.”
وأضاف أن هذه العودة القسرية تختلف عن موجات الهجرة السابقة. لا يحمل العائدون اليوم أمتعتهم فقط، بل أيضًا الخبرة التي اكتسبوها في المنفى — أطفال ولدوا في لبنان لم يسمعوا عن سوريا إلا من قصص جداتهم، وأولياء أمورهم مدينون بديون ثقيلة لأصحاب العقارات ومحلات.
فاطمة العلوي تنتظر لفحص أمانها، تحمل ابنتها النائمة على كتفها بينما تمسك بيد طفلها الآخر.
قرر زوجها البقاء في لبنان لتسوية الحسابات مع صاحب العمل في موقع بناء.
قالت: “أصبح الوضع في لبنان صعبًا جدًا. نعيش في خوف دائم، نتوقع ضربات صاروخية في أي لحظة. كما بدأنا نلاحظ تغيرًا في كيفية نظر الناس إلينا. قال لنا بعض الجيران إن سوريا الآن أكثر أمانًا، لذا قررنا العودة إلى قرية زوجي في ريف حمص. منزلنا لا يزال قائمًا، لكنه بلا نوافذ أو أبواب — على الأقل لن يجبرنا أحد على المغادرة.”
تسلط كلمات فاطمة الضوء على سبب آخر للعودة: التغير في مشاعر الجمهور اللبناني تجاه اللاجئين السوريين.
كل حادثة أمنية تثير مكالمات للطرد، مما يجعل بعض المناطق معادية — ليس فقط بسبب الحرب، ولكن أيضًا بسبب شعور عام بالإقصاء والخوف من فقدان الأمن والاستقرار الاجتماعي.
على السطح، يبدو الوضع أكثر هدوءًا. تعمل سلطات الهجرة والجوازات السورية بكفاءة على تسجيل القادمين.
قال مجد البرقة، مسؤول سوري في المعبر: “إخواننا السوريون مرحب بهم في بلدهم. تم اتخاذ جميع التسهيلات والاستعدادات اللازمة لاستقبالهم، وتمت التنسيق لضمان عودتهم بسلاسة.”
ومع ذلك، فإن سهولة الرسمية لا تخفي الحقائق القاسية.
معظم العائدين يعلمون جيدًا أن وطنهم لا يزال يواجه أزمات شديدة: انقطاعات طويلة في الكهرباء، ونقص في المياه، وارتفاع الأسعار، وفرص العمل المحدودة.
بالنسبة للكثيرين، فإن العودة ليست حلمًا بل خيار من ليس لديهم خيارات أخرى.
‘العودة إلى بلد بالكاد أعرفه’
في ملعب رياضي بالقرب من الحدود السورية اللبنانية، تتجمع مجموعات من الشباب، يت exchange phone numbers ويناقشون صراعهم ورحلات عودتهم وخططهم الغامضة.
يقول أحدهم، مهند الشلف، في الثلاثين من عمره، الذي عمل في مطعم في بيروت: “فكرت كثيرًا قبل أن أحزم أشيائي. تركت سوريا عندما كنت في السابعة عشر. الآن أعود إلى بلد بالكاد أعرفه.
“أخبرني والدي أنه توجد مشاريع سكنية جديدة تتشكل في ريف دمشق حيث دمر النظام السابق مناطق، وهناك حاجة للعمل. ربما تكون فرصة. لبنان انتهى — دمرت إسرائيل ما تبقى من الأمان هناك.”
بالقرب، في لحظة إنسانية عميقة، تقف امرأة مسنّة متكئة على عصاها، تنظر حولها. تعود إلى باب عمرو في حلب، لكن ابنها الأكبر يبقى في لبنان لأنه متزوج من امرأة لبنانية.
تقول: “قلبي مقسوم إلى نصفين — نصف مع ابني هناك، ونصف مع أطفالي الآخرين هنا,” تخبر العربي الجديد. “لكنني أفضل أن أموت في بلدي. على الأقل سأدفن في تربة تعرفني، بين شعبي.”
هذه العودة من لبنان إلى سوريا المدمرة ليست مجرد هجرة عكسية. إنها مزيج معقد من المأساة الإنسانية والخيارات الصعبة — نتيجة خوف متراكم من الغزو والضربات الإسرائيلية، وصعوبات اقتصادية في المنفى، وزيادة شعور بعدم الانتماء في المجتمعات المضيفة.
يتجهون شرقًا، تاركين وراءهم السهول الخضراء لوادي البقاع، يحملون قلوبًا ثقيلة وآمالًا هشة بأن تكون هذه العودة بداية جديدة، وليس مجرد فصل آخر في قصة المعاناة السورية.
في معبر المصنع من الجانب اللبناني وجديدة يابوس من الجانب السوري، يراقب الحراس وموظفو الجمارك بصمت، مدركين أن هؤلاء العائدين يتركون خلفهم ذكريات في لبنان ويحملون معهم جرحًا مزدوجًا: جرح المنفى وجراح العودة إلى وطن لم يحتضنهم بعد.
هادية المنصور هي صحفية مستقلة من سوريا كتبت لـ الشرق الأوسط ، و المونيتور ، و سوريا التي لا تحكى ، و مجلة النهوض من أجل الحرية
المقالة مترجمة من العربية بواسطة أفراح المطوري
